السعيد شنوقة
263
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
لا على معنى التمليك وإباحة تناوله التي أجمع المسلمون على خلافه . وقد بنى المعتزلة نفيهم أن يكون الحرام رزقا لأن الله لا يرزقه الناس بل هم كاسبوه بأنفسهم وإنما يرزق الحلال ؛ لذا لا يكون الرزق عندهم إلا بمعنى الحلال والرزق لا يكون عندهم إلا بمعنى الملك « 1 » لكن أهل السنة أنكروا ذلك وتمسكوا بالتعليل الذي يظهر فيه إجماع الأمة على أن الطفل مرزوق بسبب ما يرتضعه من ثدي أمه وعلى أن البهائم من ولد النعم مرزوقة لما تتغذى به من لبنها وهي أيضا مرزوقة كلها لما ترتعيه من حشائش الأرض ونباتها ؛ وأن البهيمة والطفل لا يملكان ذلك مع كونه رزقا لهما لأنهم مجمعون على أن الرزق هو الغذاء وعلى أن العبيد والإماء مرزوقون وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين . وهم اتفقوا على أن لبن سائر النعم ملك لربها دون سخالها وبأن الرزق لو كان هو التمليك على ما قاله المعتزلة الذين يرون الملك عندهم بمعنى القدرة لكان الله تعالى مملكا الحرام من حيث كان مقدرا على تناوله وعلى أن يكون رازقا له بهذا المعنى « 2 » . وعلى هذا نصوا على أن الله الرازق حقيقة وأن رزق ابن آدم ليس إلا تجوّزا لأنه يملك ملكا منتزعا فلا خالق عند أهل السنة ولا رازق إلا الله « 3 » تصديقا منهم لقوله تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ فاطر : 3 ] وقوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] وقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . اعتقد المعتزلة في العدل أن الله تعالى لا يريد الشر ، ولا يأمر به ، ولا يفعل القبيح ، وأن أفعاله كلها حسنة ولا يخل بما هو واجب عليه « 4 » « ولا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا يعلمون بل يقدرهم على ما كلفهم ويعلمهم صفة ما كلفهم
--> ( 1 ) انظر الشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 322 . ( 2 ) انظر الباقلاني ، كتاب التمهيد ( الباب الثلاثون ) ، ص ، 328 وكذا تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 177 - ، 178 وتفسير البيضاوي ، ج 1 ، ص ، 58 وجاء في لسان العرب مادة ( رزق ) : الأرزاق نوعان : ظاهرة للأبدان كالأحداث وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم ، ج 10 ، ص 115 . ( 3 ) انظر أحمد بن المنير ، الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 132 - ، 133 وكذا القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 178 . ( 4 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 77 ، ج 2 ، ص 3 .